محاكمات نورمبرغ: تأسيس المسؤولية الجنائية الدولية
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 ، وقف العالم صامتا من هول ما تركته الحرب من تبعات، مدن محروقة، ملايين الضحايا، خسائر إنسانية لا تعد ولا تحصى.
نتيجة لذلك بدأت رحلة البحث عن مذنب لتوجيه أصابع الاتهام، فوقع الاختيار على الطرف الخاسر : قادة الحزب النازي.
آل ذلك الى اتفاق الحلفاء المنتصرون على انشاء آلية قانونية لمحاسبة قادة النظام النازي على الجرائم المرتكبة وتم اختيار مدينة نورمبرغ مسرحًا لهذه الإجراءات، حيث أراد الحلفاء ان تقام العدالة "المزعومة" في نفس المكان الذي بذرت فيه بذور الكارثة، وبدأت المحاكمات في نوفمبر 1945 بمشاركة اربع دول: الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، الاتحاد السوفيتي.
جرى توجيه الاتهام رسميًا إلى 24 من كبار القادة السياسيين والعسكريين النازيين. ووجهت اليهم تهم غير مسبوقة في التاريخ القانوني وهي: التآمر لشن حرب عدوانية، ارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية.
كان جوهر محاكمات نورمبرغ هو تأسيس مبدأ قانوني تاريخي جديد يؤكد على المسؤولية الجنائية الفردية حيث جادل الادعاء بأن الطاعة لأوامر عليا أو التصرف باسم السيادة الوطنية لا يعفي الفرد من تحمل المسؤولية عن ارتكاب الجرائم الدولية. وتم عرض الاف الوثائق وشهادات للناجيين من معسكرات الاعتقال خلال المحاكمة، فلم تقم قائمة لإنكار الجرائم المثبتة.
استمرت المحاكمات قرابة العام، وانتهت بإصدار الأحكام المتراوحة بين السجن المؤبد والاعدام على 12 من القادة، بينما انتحر اخرون قبل صدور الحكم...
أسست هذه الأحكام القانونية المبادئ التي انبثق منها القانون الدولي الإنساني ووضعت اللبنة الأولى لتأسيس محكمة العدل الدولية، ومن ثم لاحقًا المحكمة الجنائية الدولية، كما أسهمت في صياغة القانون العالمي لحقوق الانسان عام 1948 لتتحول المحكمة من حدث قضائي إلى نقطة تحول في ضمير البشرية، فأثبتت المحاكمة أن العدالة مهما تأخرت لابد أن تعيد للإنسانية وجهها المفقود.