العقود في اقتصاد الهبّات

العقود في اقتصاد الهبّات: قراءة قانونية لسوق سريع التقلّب

 

في كل شهر يظهر مقهى جديد يحقق ازدحامًا هائلًا، ثم يفقد هذا الزخم تدريجيًا بعد أشهر قليلة، رغم استمرار جودة المنتج أو الخدمة.

فما الذي تغيّر؟ هل أصبحت الأسواق الحديثة قائمة على الجودة فعلًا، أم على سرعة الترند؟

ويعكس ذلك ما يمكن وصفه بـ ((اقتصاد الهبّات))، حيث باتت طبيعة الأسواق تعتمد بدرجة كبيرة على الترندات والطلب المؤقت أكثر من اعتمادها على الولاء طويل الأمد للعلامات التجارية. لذلك قد يحقق مشروع انتشارًا واسعًا خلال أسابيع، ثم يتراجع الإقبال عليه بمجرد ظهور ترند جديد، حتى دون وجود تراجع فعلي في جودة المنتج أو الخدمة.

ولا يبدو أن هذا التحول يحدث بصورة عشوائية، بل يمكن تفسير هذا النمط الاستهلاكي من خلال بعض الظواهر السلوكية والنفسية التي أصبحت أكثر وضوحًا في المجتمع السعودي الحديث، مثل الميل المستمر لتجربة الجديد (Variety Seeking Behavior)، حيث أصبح المستهلك أكثر رغبة في التغيير والبحث عن تجارب مختلفة، ليس بالضرورة بسبب عدم رضاه عن المنتج السابق، وإنما بدافع التجديد، وكسر الروتين، والبحث عن محفزات وتجارب جديدة، إلى جانب الفضول والرغبة في الاستكشاف والشعور بالمشاركة في كل ما هو جديد ورائج.

ويبرز أيضًا تأثير ظاهرة الخوف من تفويت التجارب الرائجة, ( FOMO: Fear of Missing Out)، والتي تعززت بصورة كبيرة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، فأصبح المستهلك يشعر بضرورة مواكبة الترند وتجربة الأماكن المتداولة خوفًا من الشعور بأنه خارج دائرة الاهتمام أو متأخرًا عن الآخرين، وهو ما يفسر سرعة انتقال الاهتمام من مشروع إلى آخر خلال فترات زمنية قصيرة.

ويبدو أثر هذه الظواهر أكثر وضوحًا في السوق السعودي في ظل الطبيعة الشبابية للمستهلكين، وارتفاع معدلات التفاعل مع منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى الميل المرتفع لتجربة الخيارات الجديدة وسرعة انتقال الاهتمام بين العلامات التجارية، وهو ما قد يفسر تسارع دورات الصعود والانخفاض لبعض المشاريع، حتى مع بقاء جودة المنتج أو الخدمة.

وقد لا تبدو هذه الظاهرة قانونية للوهلة الأولى، إلا أن أثرها يمتد إلى طبيعة الالتزامات التجارية ذاتها، خصوصًا في العقود التي تُبنى على افتراض الاستقرار والاستمرارية، وهو ما قد يخلق فجوة بين طبيعة الأسواق الحديثة والإطار التعاقدي التقليدي الذي يفترض قدرًا من الاستقرار واستمرارية الالتزامات، ويثير تساؤلًا حول مدى ملاءمة الإطار التعاقدي التقليدي في نظام المعاملات المدنية السعودي لطبيعة الأسواق الحديثة سريعة التغير.

وقد يبدو أن زيادة المرونة التعاقدية تمثل اتجاهًا مناسبًا لمواكبة هذا النوع من الأسواق، خصوصًا في ظل التغير السريع في الطلب وصعوبة التنبؤ باستقرار المشاريع الناشئة. إلا أن الإفراط في المرونة قد يؤدي بدوره إلى خلق سوق أكثر هشاشة، من خلال تقليل الاستقرار التعاقدي وزيادة حالة عدم اليقين، وهو ما قد ينعكس سلبًا على النمو الاقتصادي طويل الأمد.

لذلك، لا تكمن الإشكالية في تبني المرونة بحد ذاتها، بل في كيفية تصميمها بطريقة تحقق التوازن بين ديناميكية السوق والحاجة إلى الاستقرار الاقتصادي. وتزداد أهمية هذا التوازن عند النظر إلى توجهات رؤية السعودية 2030، التي تركز بصورة كبيرة على دعم ريادة الأعمال والمنشآت الناشئة، مما يطرح تساؤلًا حول مدى حاجة هذه المشاريع إلى أطر تعاقدية أكثر قدرة على التكيف مع طبيعة الأسواق الحديثة، دون الإضرار بالاستقرار الذي يحتاجه الاقتصاد للنمو.

وقد يدفع هذا الواقع إلى التفكير في نماذج تعاقدية أكثر قدرة على التكيف مع طبيعة المشاريع الحديثة، خصوصًا المشاريع الناشئة التي تعمل في أسواق سريعة التغير، مثل تصميم عقود قابلة للتعديل وفق أداء المشروع، أو تقليل الالتزامات طويلة الأمد في المراحل الأولى من المشروع، أو توزيع المخاطر بصورة أكثر توازنًا بين الأطراف. إلا أن هذه الاتجاهات لا ينبغي أن تتحول إلى مرونة غير منضبطة؛ فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تبني المرونة، بل في تصميمها بطريقة لا تحول السوق من اقتصاد ديناميكي إلى اقتصاد هش.

 

 

المراجع 

  1. المرجع الأول:
     AlMosa, M. (n.d.). كيف تحول مطعمك من هبة إلى هوية؟ Marn. Retrieved May 21, 2026, from  Marn Blog
  2. المرجع الثاني:
     Khan, A., & others. (2024). [عنوان المقال غير ظاهر بالكامل من الرابط]. PCHJ. Wiley Online Library.  Wiley Online Library Article
  3. المرجع الثالث:
     Yalla Plus. (n.d.). مستقبل قطاع المطاعم في المملكة العربية السعودية. Retrieved May 21, 2026, from  Yalla Plus Blog
  4. المرجع الرابع:
     Saudi Vision 2030. (n.d.). اقتصاد مزدهر. Retrieved May 21, 2026, from  Saudi Vision 2030
  5. المرجع الخامس:
     Marn. (n.d.). قطاع المطاعم السعودية. Retrieved May 21, 2026, from  Marn Blog
  6. المرجع السادس:
     Ironclad. (n.d.). Change orders in contracts. Retrieved May 21, 2026, from  Ironclad Article
  7. المرجع السابع:
     Signit. (n.d.). أبرز تحديات إدارة العقود. Retrieved May 21, 2026, from  Signit Blog
  8. المرجع الثامن:
     CCM Institute. (n.d.). Bridging the gap: The critical interdependence between commercial and contract management. Retrieved May 21, 2026, from  CCM Institute Article

 

 

العنود الشريف
كاتبة في قسم المحتوى
04,Jun 2026 05:08 pm
منذ شهر

© 2026 إيجاز, جميع الحقوق محفوظة.